نصر حامد أبو زيد

64

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

ومن ثم الاقتصادي - من مكة إلى كنيسة نجران . وسط هذه المخاطر كان ثمة احساس بضرورة التوحّد ، التوحد على المستوى الداخلي لضمان بقاء الحياة في هذه الظروف الاقتصادية الخطرة ، والتوحد لمواجهة الخطر الخارجي الذي أوشك على القضاء على الهوية . وقد عبر هذا الاحساس الغامض عن نفسه في مجموعة من التطورات أهمها بالنسبة لتحقيق الهدف الأول تحديد مجموعة من الشهور يحرّم فيها القتال ، وقد كان ذلك أقرب إلى الاتفاق للحفاظ على وسائل الانتاج الاقتصادي من الدمار الكامل ، فكانت التجارة تزدهر في هذه الشهور ، وتقام الأسواق والاحتفالات الدينية . وكثيرا ما كانوا يغيّرون هذه الشهور - أو يؤجلون بعضها بالنسء - الذي نهى عنه القرآن بعد ذلك - طبقا لمصالح القبيلة ذات السطوة والسيطرة « 1 » . ولمواجهة الخطر الثاني - خطر العدو الخارجي - فمما له دلالته في هذا الصدد أن القبائل العربية استطاعت لأول مرة أن تتوحد لمحاربة الفرس وحققت انتصارا عليها في واقعة « ذي قار » ، وهو انتصار تجاوبت أصداؤه في أركان الجزيرة العربية كلها واحتفظ لنا الشعر حتى الآن بهذه الأصداء . وهذه الواقعة تؤكد ذلك الاحساس الغامض بضرورة الوحدة لمواجهة خطر العدو الخارجي . إذا كانت هذه هي الأخطار فلا بد أن تكون « الإيديولوجية » التي كان يبحث عنها هؤلاء الأفراد من العرب أيديولوجية تحقق الهدفين : مواجهة الصراعات الداخلية وعوامل التفتيت والانقسام بكل ما يؤدي اليه ذلك من سيطرة الأقوى ، ومواجهة الخطر الخارجي الممثل في أعداء العرب من الفرس والروم . ومن الطبيعي ألا تحقق المسيحية - وهي أيديولوجية مطروحة - أحد هذين الهدفين ، فقد كانت دينا غازيا معتديا ، ولم يكن يمكن لليهودية أن تجتذب العرب وقد كان أحبارها يتعالون عليهم وينظرون إليهم بوصفهم بدوا رعاة ، هذا بالإضافة إلى أن اليهودية دين مغلق عنصري لا يتقبل الوافدين الجدد . كانت الإيديولوجيتان الدينيتان المطروحتان غير ملاءمتين لتحقيق أهداف ذلك الوعي - أو الاحساس الغامض - الذي كانت تعكسه صرخات هؤلاء المتحنفين أو المتحنثين . لقد رحل زيد بن عمرو باحثا عن هذه الإيديولوجية في « دين إبراهيم » . خرج يطلب دين إبراهيم عليه السلام ، ويسأل الرهبان والأحبار ، حتى بلغ الموصل والجزيرة كلها ، ثم أقبل فجال الشام كله ، حتى انتهى إلى راهب بميفعة من أرض البلقاء ، كان ينتهي اليه علم أهل النصرانية فيما يزعمون ، فسأله عن الحنيفية دين إبراهيم ، فقال :

--> ( 1 ) انظر : السيرة النبوية : الجزء الأول ، ص 37 - 40 ، وقد كان الشعراء يفخرون بالقبيلة لقدرتها على النسء : ألسنا الناسئين على معدّ * شهور الحل نجعلها سنينا